يستعرض عاصم قريشي، مدير الأبحاث في منظمة «كِيج» البريطانية، في كتاب عبد الرحمن الجندي «هنا: مذكرات الثورة والسجن والصيرورة»، تجربة المعتقل المصري بعد الخروج من السجن، مؤكدًا أن الإفراج عنه لا يعني بالضرورة تحرره من قبضة الدولة الأمنية. ويرى قريشي أن المراقبة والصمت القسري والخوف من الاعتقال مجددًا تواصل ملاحقة الجندي حتى خارج أسوار السجن.


ويناقش موقع ميدل إيست آي في هذا المقال المنشور في 27 سبتمبر 2026، كيف تكشف مذكرات الجندي عن استمرار آثار الاعتقال السياسي في الحياة اليومية، وعن انتقال الخوف من فضاء السجن إلى الشارع والمنزل والعلاقات الاجتماعية. ويطرح المقال مفهوم «البرزخ السياسي» لوصف الحالة التي يعيشها المفرج عنهم، حيث لا يعودون خلف القضبان، لكنهم لا يشعرون كذلك بأنهم أحرار بصورة كاملة.

 



البرزخ السياسي.. حين لا ينتهي السجن بالخروج منه



منذ بداية اعتقاله، واجه عبد الرحمن الجندي، الذي كان قد أتم عامه السابع عشر حديثًا، وطأة الحياة داخل السجون المصرية. واعتُقل في أكتوبر 2013 بصورة غير قانونية، بسبب قربه من احتجاج، وصُنّف باعتباره منتمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين و«إرهابيًا» مزعومًا، وفق وصف المقال، قبل أن يجد نفسه محتجزًا مع والده في شبكة متسعة من السجون السياسية المصرية.


ولا تقتصر قسوة السجن، بحسب قريشي، على فعل الاحتجاز نفسه أو أعمال العنف والتعذيب التي قد يمارسها المحتجزون، وإنما تمتد إلى كل صوت وحركة داخل السجن. فالاعتداء، في المفهوم القانوني، لا يعني بالضرورة وقوع العنف، بل يشير أيضًا إلى حالة التوجس من احتمال وقوع عنف غير مشروع، وهي حالة يرى الكاتب أنها تلخص الحياة داخل السجون المصرية.


وفي الليلة الأولى لاحتجازه، وبينما لم يحصل الجندي على سبب واضح لاعتقاله سوى اتهامه الفضفاض بالانتماء إلى «الإخوان»، يتذكر في مذكراته أنه سأل والده عما إذا كانوا سيعرضونهم للتعذيب.


وبعد دقائق، سمع صوت الأقفال خارج الغرفة، ثم فتح الحارس الباب وأشار إليه وإلى والده باتباعه.


ويرى قريشي أن أصوات حركة الحراس خارج الزنازين، ورنين المفاتيح داخل الأقفال، وصوت الأبواب وهي تُفتح، كلها تشكل امتدادًا للعنف داخل السجن؛ فهي تذكير يومي ومستمر بأن الدور قد يأتي في أي لحظة، وأن الشخص قد يجد نفسه فجأة أمام العنف الذي ظل يتوجس منه.


وأحيانًا، يحدث ذلك بالفعل.


وفي دولة شديدة العسكرة، بحسب الكاتب، لا يمكن الإفلات بسهولة من هذه الحالة المستمرة من التوجس. وكان يمكن أن يبدو الإفراج عن الجندي بعد ست سنوات قضاها في سجون متعددة وكأنه بداية التعافي واستعادة الحياة، لكن قريشي يرى أن الخروج من السجن لم يضع حدًا لذلك الشعور، في ظل ما يسميه، بالاشتراك مع الأكاديمية ولاء قصي، «دولة الأمن القومي المؤلّهة».


ويصف الجندي الفترة التي أعقبت الإفراج عنه بأنها «برزخ»، وهو مفهوم في الإسلام يشير إلى الفاصل بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة، لكنه يرتبط أيضًا بمساحة مغلقة داخل القبر.


ويقول قريشي إن الإفراج تحول بالنسبة إلى الجندي إلى نوع من البرزخ، لأنه لا يزال داخل مصر، حيث تواصل الدولة، التي تقدم نفسها باعتبارها عينًا تراقب كل شيء، ممارسة نفوذها دون مساءلة، ولأن تجربة السجن تواصل حضورها في الأصوات والأحاسيس اليومية.


ويستحضر الجندي في مذكراته بحثه داخل السجن عن الصمت، قبل أن يجد نفسه في الخارج أمام ضجيج مختلف. وبينما كان ضجيج السجن يستدعي الفراغ، بدا له ضجيج الحياة اليومية وكأنه محاولة جماعية لإغراق ذلك الفراغ ونسيان الألم.


ويرى الكاتب أن اعتبار الخروج من السجن مرادفًا للحرية يمثل نوعًا من التلاعب النفسي، لأن الإفراج يضع الشخص في «برزخ سياسي»، تصبح فيه الأنشطة اليومية نفسها تذكيرًا بمدى هشاشة حالة الإفراج.


ويستشهد قريشي بموقف عاشه الجندي عندما لاحظ ذات صباح شاحنة بيضاء متوقفة بالقرب من منزله. وأدى فرط اليقظة المرتبط بتجربته السابقة إلى اعتقاده بأن أجهزة الدولة عادت لملاحقته، فاتصل بوالده قائلًا: «لقد جاءوا من أجلي». لكن الشاحنة لم تكن تابعة للأجهزة الأمنية، بل لشركة تنسيق حدائق.


ويقول قريشي إن استمرار حالة التوجس يرتبط تحديدًا بعدم معرفة الكيفية التي تعمل بها الأجهزة الأمنية في الحياة اليومية، تمامًا كما كان الحراس يمرون أمام الزنزانة دون أن يعرف السجين أي باب ستتجه إليه المفاتيح أو أي اسم سيُنادى عليه للتحقيق.


ولا تقتصر تجربة «البرزخ» على مراقبة أجهزة الأمن القومي في مصر، إذ يقارن قريشي تجربة الجندي بتجربة رضوان صابر، مؤلف كتاب «المشتبه به»، الذي يروي فيه تعرضه للاستجواب باعتباره مشتبهًا في الإرهاب على يد الشرطة البريطانية لمدة سبعة أيام قبل الإفراج عنه.


ويشير الكاتب إلى أن صابر عانى بعد الإفراج عنه من ارتياب شديد بسبب الحضور المتغلغل للدولة الأمنية في حياته، بما في ذلك داخل خدمات الصحة النفسية التي يفترض أن تقدم المساعدة لأشخاص في وضعه. وفي ظل هذا الحضور الممتد، يستمر الخوف من عنف الدولة غير المشروع، وكأنه حاضر في كل مكان.

 


«أغلال صاغها العقل».. الصمت كأداة للسيطرة


يستعيد قريشي فترة إقامته في مصر خلال عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، حين كان يدرس اللغة العربية في مدينة نصر، ويعيش في ظل جهاز «أمن الدولة» سيئ السمعة.


ويقول إنه كان في تلك الفترة أقل انخراطًا في السياسة في حياته، لكنه يتذكر نصائح كان يسمعها من دارسين سابقين لبرامج اللغة العربية: لا تتحدث في السياسة مع المدرسين أو سائقي سيارات الأجرة أو الأشخاص العابرين في الشارع، ولا تتحدث عن النظام أو فلسطين أو أي قضية أخرى، بل التزم بالحديث عن كرة القدم.


وكان ذلك عام 2009، لكن الكاتب يقول إنه يدرك الآن أن هذا هو تحديدًا ما تحتاج إليه الدولة الأمنية: أن يقدم الناس أفضل نسخهم غير السياسية، وأن يمارسوا رقابة ذاتية تمحو أي أثر للانتقاد الموجه إلى العنف الذي يعيشون في ظله.


ويستحضر قريشي تعبير الشاعر الإنجليزي وليام بليك «الأغلال التي صاغها العقل» لوصف هذه الحالة من الرقابة الذاتية.


وفي الوقت الذي يتحدث فيه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي عن رحلات الغوص في الغردقة، أو يروي طلاب العلم قصص دراستهم للفقه الشافعي في جامعة الأزهر، قد يصبح من الصعب، بحسب الكاتب، تذكر طبيعة مصر السياسية كما يراها هو: دولة يحكمها الجيش بهدف الحفاظ على مصالح أطراف أخرى في المنطقة.


ويشير قريشي إلى عبارة قرأها الجندي على أحد جدران السجن: «اكتب على حيط الزنزانة، حكم العسكر عار وخيانة».


وفي ظل هذا النوع من الحكم، يرى الكاتب أن تذكّر محدودية قدرة الفرد على التأثير في واقعه يصبح أمرًا صعبًا. وعندما يوبخ والد الجندي ابنه لرغبته في إعلان رفضه لحكم العسكر بصوت مرتفع داخل السجن، يصبح من الصعب، بحسب قريشي، تذكر أن المسؤولية تقع على الدولة الأمنية، وليس على أولئك الذين يشعرون باليأس ويدفعهم ذلك إلى الصراخ من فوق أسطح المنازل.


وهكذا تتعدد مستويات «البرزخ» في مختلف الأماكن التي يعيش فيها المصريون.


فمن يعيشون خارج السجون، في ما يصفه الكاتب بـ«السجن المفتوح»، لا يستطيعون التحدث بحرية، لأن كلامهم قد يستدعي غضب الدولة. والمحتجزون لا يستطيعون الحديث، لأن ذلك قد يستحضر في حقهم شبهة الانتماء إلى «الإخوان». أما المسجونون، فلا يستطيعون الحديث، لأن ذلك قد يقلل فرص حصولهم على عفو أو الإفراج عنهم.


ويلجأ الجميع، بحسب الكاتب، إلى محاولة تحسين ظروفهم بالوسائل الصغيرة المتاحة لهم، لكن هذه الحالة لا تمثل حرية العيش، وإنما تصبح شكلًا من أشكال الوجود ذاته.


ويستشهد قريشي بكلمات صديق الجندي وزميل زنزانته «طوحة»، الذي قال له ذات ليلة إن السعي المستمر إلى تحسين ظروف السجن يعني أنهم قبلوا الاحتجاز باعتباره الوضع الطبيعي، وأن هذا تحديدًا هو انتصار السلطة عليهم.


ويخلص الكاتب إلى أن المسافة بين «أنا مسجون» و«أنا سجين» قد تحولت إلى مساحة رمادية، توقف فيها الناس عن محاولة تسلق الشجرة.

 


«العار والخيانة».. من السجن إلى غزة


يرى قريشي أن الخروج من هذا «البرزخ» لا يمكن أن يتحقق عبر التفاوض مع الدولة الأمنية على تسوية، مشيرًا إلى تجربة جماعة الإخوان المسلمين في محاولة تطبيع واجهة الديمقراطية عبر الانتخابات.


كما لا يمكن، بحسب الكاتب، التفاوض على ظروف السجن عبر المحسوبية أو حماية جماعة بعينها على حساب السجناء السياسيين أو الجنائيين، لأن النظام، وفق طرحه، يقمع الجميع.


ويقول قريشي إن مواجهة هذا «البرزخ» تتطلب الاعتراف بأن «حكم العسكر عار وخيانة»، وهي خلاصة يرى أن الجندي وصل إليها بأوضح صورة في سياق حديثه عن معاناة الفلسطينيين، التي يختتم بها مذكراته.


ويستند الكاتب إلى رواية الجندي عن رؤيته جنودًا مصريين يتلقون رشى من فلسطينيين، وعن فرض شركة مرتبطة بالدولة مبالغ مالية تصل إلى آلاف الدولارات على كل شخص يرغب في الخروج من غزة، فضلًا عن منع السلطات المصرية وصول العاملين في المجال الإنساني الراغبين في دخول القطاع، وقمع مظاهر التضامن مع الفلسطينيين.


ويربط قريشي بين ما يصفه بـ«عار» المؤسسة العسكرية المصرية ودور مصر في منظومة إقليمية يرى أنها تحمي مصالح غربية وتحافظ على بنية العنف القائمة.


ويذهب الكاتب إلى أن عدم الاعتراف بهذا الجانب، وفق رؤيته، يؤدي إلى استمرار تطبيع دور مصر داخل منظومة العنف المرتبطة بالحرب على غزة.


ويقدم قريشي مذكرات الجندي «هنا: مذكرات الثورة والسجن والصيرورة» باعتبارها نقطة انطلاق لفهم ما يراه «الوجه الحقيقي لمصر» والجهات التي تحكمها، ويرى أن التأمل في تجربة الجندي داخل السجن يمكن أن يساعد على فهم كيفية بناء أشكال من التضامن بين مجموعات مختلفة، وكيف يمكن لها، وفق رؤيته، مواجهة النظام القائم.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/egypt-huna-abdelrahman-elgendy-memoir-prison-review